الصفحات

الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

الإعتراف والإعتذار أمران لابد منهما لإزالة مافى النفوس وفتح صفحة جديدة


    ينظر كثير من مثقفى الوسط والشمال بريبة شديدة لحركات الهامش التى رفعت السلاح ضد المركز ، وينظرون اليها كوحش فظيع  أفلت عقاله أو كمارد مخيف خرج من قمقمه ولابد من إعادته اليه طوعا و قسرا . ويحاولون دوما دمغ هذه الحركات بكل الموبقات وإثارة الشكوك حولها بدءا من اتهامات بالعمالة انتهاءا بإنكار الأسباب الموضوعية والتاريخية التى دفعت الهامش دفعا الى النضال المسلح .

    فالبعض يرى أن جعجعة أهل الأطراف قد بلغت مداها وفاتت الحد ، وانه لابد من إسكاتهم ..عبر نزع فتيل ( مصطلح التهميش ) الشديد الانفجار وإفراغه من مضمونه بحجة ان السودانيين كلهم مهمشون، (وهذا يصب فى خانة التشويش على مظلمة أهل الهامش ) يعنى كلو محصل بعضه وكلنا فى الهوا سوا..
    وفى هذا الطرح تجاهل متعمد لحقائق تاريخية وإجتماعية وسياسية يعرفها جيدا كل السودانيين .

    أولا: الحمد لله أن الجميع صاروا يقرون أخيرا بان التهميش موجود ، دى زاتها خطوة للامام ، لأن الكثيرين كانوا ينكرون وجود تهميش حقيقى بالرغم من تفجر الأطراف واشتعال هذا الحريق الهائل بالبلد .

    ثانيا : يجب أن نحدد ..من همش من ..ومن هم المهمشون ، وأنواع التهميش وأنماطه ..فالتهميش ذاته خشم بيوت وأنواع شتى .
    فهناك تهميش إقتصادي
    وسياسي
    واجتماعي
    وثقافي
    وديني
    ونوعي
    وحتى نفسي

    نعم التهميش موجود بصورة نسبية فى كل بقعة من بقاع السودان فى المدن والبوادى ، فى الشرق والغرب والجنوب والشمال والوسط مع اختلاف نوع التهميش .

    مثلا بعض أراضى الشمال همشت إقتصاديا ، ولكن لا يعنى انها قد همشت عرقيا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو سياسيا ( بإستثناء نوبة الشمال ). فأهلها ما زالوا يتربعون على أعلى السلم الاجتماعى فى السودان . وحتى فى مناطقهم الفقيرة تلك تجدهم يمارسون تمييزا عرقيا على بعض القوميات التى ساقها حظها العاثر للتواجد فى مناطقهم ..عبر الاسترقاق وغيره.


    كذلك فى شرق السودان المهمش تجد ان أهله مهمشون حتى داخل شرقهم المهمش ، ومعزولون فى جيتوهات عرقية وثقافية ونفسية ، ومحاصرون اقتصاديا ، ومحرومون من أبسط أبسط حقوقهم فى وطنهم وارض أسلافهم .
    فالشرق فى الواقع تسيطر عليه وعلى موارده مجموعات عرقية تنتمى الى مناطق الشمال ، مستندة فى ذلك على دعم نخب سياسية حاكمة وثقافة أحادية سائدة، وهذه حقيقة ملموسة و موجودة لا يستطيع انكارها الا من يجهل الشرق .ولم يتغير الوضع حتى بعد أن حمل أهل الشرق السلاح ، وحتى بعد الاتفاقية الأخيرة مع نظام الانقاذ غير الشرعى .

    كما ان بين اهل الشرق نفسه وسكانه الأصليين يوجد أنواع من التمييز العرقى ، مثلا القبيلة التى انتمى اليها تنكر انتماء بعض القبائل الى الاقليم وتعتبرها قبائل وافدة . وحل هذه المعضلة لن يكون بانكار هذه المشكلة أو ادعاء عدم وجودها سواء من قبلى أو من قبل من ينتمون الى قبيلتى . بل لابد من الاعتراف بان هناك قبائل همشت قبائل ومجموعات عرقية أخرى ، وان الكل قد همشوا من قبل مجموعات عرقية تنتمى الى الشمال كذلك يهمش الجميع من قبل مجموعات تنتمى الى أعراق بيضاء هاجر أسلافهم الى المنطقة منذ القدم .
    فالتمييز العرقى فى الشرق مركب ومعقد جدا .


    كذلك فى الغرب( أعنى كردفان ودارفور) ..القبائل العربية منذ هجرتها الى هذه المناطق منذ أزمان بعيدة وهى تمارس تمييزا عرقيا ضد سكان المنطقة الأصليين ،
    وبحكم انتماء والدتى الى قبيلة الرزيقات الأبالة من شمال دارفور ، فاننى قد اطلعت على الكثير من الحقائق المؤلمة وسمعت الكثير عن قصص الارقاء من أهل الجنوب والغرب الذين استرقتهم القبائل ذات الأصول العربية ، وأرفض أن يجعلنى هذا الانتماء انكر هذه الحقائق وأدعى عدم وجودها أو صحتها .

    كذلك بالنسبة الى أهل الشمال السودانى فان أهل الغرب جلهم بكردفانهم ودارفورهم ،وأفارقتهم وعربهم فى مركب واحد .
    فكما تعلمون ينظر الشمالى الى اهل الغرب أو (الغرابة) كما يحلو له أن يناديهم ، ينظر اليهم نظرة غاية فى السلبية وتحمل احتقارا هائلا ، شخصيا احترت كثيرا فى دوافعه وأسبابه.

    وزى ما بقولوا كلو عند العرب صابون ..فأهل الشمال يحتقرون أهل الغرب كلهم جملة وتفصيلا ويحملونهم كل بلاوى السودان ، فلفظة (غرابى) عندهم تدل على الوضاعة وصغر الشأن . وهذه حقيقة معروفة وملموسة حتى لو أنكرها البعض ممن أدمن الانكار ،ويرى ان الانكار سبيلا لمعالجة أزمات السودان.

    أما تهميش أهل الجنوب عرقيا وسياسيا ودينيا وثقافيا واجتماعيا ونفسيا فى وطنهم ، فهذا أمر واضح وضوح شمس الضحى ولا يحتاج الى القاء مزيد من الضوء عليه ، ومعروفة النتائج التى أدى اليها هذا التهميش .
    ولم يكسب أهل الجنوب احترام أهل الشمال الا بعد أن رفعوا السلاح عقودا طويلة ، وفرضوا احترامهم عنوة بقوة السلاح.
    ربما يقول قائل ..
    ان هذه الحقائق التى سقتها هنا معروفة للقاصى والدانى
    ولكن سبب ايجازى لها هنا ان البعض أدمن الانكار ، ويظنه حلا لمشاكل السودان المتفجرة ، رغم ان الحقيقة معروفة للجميع .

    كذلك ان البعض يتجاهل متعمدا ان اشتعال وتمرد الأطراف هو بديهة تاريخية وتحصيل حاصل ، وانه نتج عن مظالم حقيقية طال السكوت عنها .
    بل هم يريدون أن يساووا بين الجانى والضحية عبر الانكار المستمر والتشويش على الحقائق المعروفة لكل مطلع على جذور المشكلة السودانية أو معايشا لها.

    فما الحل ؟؟
    هل هو الانكار المستمر لمشاكل حقيقية فجرت الوطن ووضعته فى فوهة بركان .
    وهل الحل أن ينبرى مثقفين ينتمون عرقيا الى قبائل النخبة فى الشمال ويأتون ويفتون بان التهميش قد طال الجميع ، وانه لافضل لعربى على أعجمى ولا لأسود على أبيض ولا منطقة على منطقة فى هذا الأمر وان الكل فيه سواسية وقد نالهم منه ما نالهم ، وان المجرم الوحيد هو الفئة الحاكمة ؟!

    هذا يا أخوتى هو دفن الراس فى الرمال بعينه ، فكلنا يعرف الحقيقة ، حسب موقعه من الأزمة ، وحسب انتماؤه العرقى والقبلى ،كلنا بلا شك ندرك هذا الواقع المرير وشاركنا فيه بصورة أو بأخرى ..حتى لو تفاوتت درجات ادراكنا ومشاركتنا فى الأمر ، فاننا شعب نأخذ الانتماء العرقى بجدية كبيرة ، وننظر الى اختلاف أعراقنا وألواننا بأهمية مبالغ فيها ، نحن باختصار شعب معقد ومزدوج نفسيا .
    لذلك فان الانكار لن ياخذنا الى اى مكان ، ولن يحل أى مشكلة ، ولن يزيل غبينة أو يوقف اضطهادا أو يشفى مافى النفوس .
    بل ان الانكار ، ومحاولت تغطية الجرح وهو ما زال طريا وداميا يجعل الجرح يلتهب أكثر ويتقيح ، ثم لا يكون هناك حل سوى البتر والاستئصال .

    الأعتذار هو الحل :

    ان السودان الان على مفترق طرق ونحن كشعب أمامنا خياران لا ثالث لهما :
    اما نستمر فى مسلسل الانكار البايخ ، والاصرار على عدم تحمل المسؤولية وبالتالى لا مفر من القبول بتفكك السودان الى سودانات وذهاب كل قومية الى حال سبيلها والباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح .

    واما أن نعترف علانية كمواطنين بكل فئاتنا ان التهميش حقيقى وحصل ولسه بيحصل وان التمييز بكل أنواعه موجود ، وان هناك مجموعات عرقية يعينها عانت أكثر من غيرها وطفحت السم طوال عقود طويلة بل قرون . وبالتالى فان الظلامات التى حدثت وما زالت تحدث كل يوم بل كل ثانية يجب أن يتم ((الاعتذار )) عنها ، حتى تفتح صفحة جديدة فى كتاب الوطن ، ولازالة الغبائن والمرارات والأحقاد من النفوس .
    فالمرارات والمظالم التى تراكمت عبر عقود طويلة من الصعب اقتلاعها الا باعتذار واضح وشفاف ، اعتذار يبين اننا وصلنا الى مرحلة النضج الانسانى التى تجعلنا قادرين على مواجهة عيوبنا بكل شجاعة حيث لا يصح الا الصحيح .
    ثم يعقب الاعتذار تعهد واضح باعلاء قيمة المواطنة على ما عداها من نعرات عنصرية .
    كذلك يجب أن تزال عبارات كثيرة من قاموس العامية السودانية ، عبارات تمييزية هدفت الى التقليل من شأن ابناء الوطن واضطهادهم على أساس أعراقهم والوانهم وسحنهم التى خلقهم الخالق عليها .
    ويجب الاعتراف بان الوضع فى السودان كان شاذا من الأساس ، لذا فانه كان لابد أن يحدث كل ما حدث الان ، ولابد أن يوقف هذا الشذوذ ولا يستمر الى ما لا نهاية بمبررات واهية .
    ويجب أن ننظر الى الوضع من الخارج لندرك مدى شذوذه ، ويجب ان نحاول تقمص الآخر المختلف حتى نحس ونشعر بألامه ومعاناته .
     
    _________________
     مقال قديم من مدونتي القديمة
 16-03-2007

هناك تعليقان (2):

  1. الأخت أمنة
    أولا أحي فيك هذا الروح والحس الإنساني والتحليل الواقعي السليم والذي لا إملك سوي التسليم له كاملا لما فيه من مطابقة للواقع الذي نعيش في سوداننا الذي أخشي أن نصحو ذات يوم ولا نجده بيننا
    سأعود ان شاء الله لادلو بدلوي في هذا الشأن السوداني لآنني واحد من الذين طالهم التميش علي المستويين: الخاص والعام
    الحليلة

    ردحذف
  2. ناس الوسط والشمال النيلي بحكومتهم ومعارضيهم جميعهم هدفهم واحد وهو تهميش وباقي المناطق واعراقها لذا لابد من الاعتراف والاعتذار وإلا يتبلقن السودان الي دويلات عرقية متناهر

    ردحذف