الصفحات

الجمعة، 24 مايو 2019

حميدتي، وقومه ..

حميدتي، وقومه..

( ركابين عقيد الخيل شرابين لبن ألبل ).

هذه الأيام تراودني أحاديث جدتي (زهرة) تلك المرأة البدوية القوية الحنون النبيلة، لماذا لا أدري!!
هذا رغم أنها غابت عن أحلامي لفترة، وقد كنت أحلم بها كثيرا .

ربما هي لهجة حميدتي التي كانت تشبه لهجتها،لكن لهجتها كانت (أكثر عراقة وبدوية) ومحببة للغاية ..
حتى أنني لا أستطيع مغالبة التحسر كلما فقدت أحد كبار السن من أهل أمي، نسبة لخشيتي على لهجتهم الجميلة المميزة من الضياع .
فالأبناء والأحفاد ولدوا في المدن ..وفقدوا اللهجة وصاروا يعبرون ويتكلمون بلهجة أهل المدن الهجين التي أخذت من كل لهجات الوطن وصار لها طابع مديني خاص ..
على حسب المدينة المعنية وموقعها من جفرافيا الوطن طبعا .

من أهلي من الجهتين تعلمت الكثير .
فدعوني أعرفكم ما عرفته عن الرزيقات تحديدا..وتحديدا الأبالة منهم ،فهم الذين عرفتهم عن كثب من قبائل الغرب، وتشربت كثيرا من طباعهم ولكن تعلمت القليل عن ثقافتهم بحكم بعدي عن موطنهم في شمال دارفور.

هؤلاء بدو رحل لا يعترفون بالحدود ، نشاطهم الإقتصادي الرئيسي هو الرعي، يسعون خلف ماشيتهم أينما سعت لتوفير المراعي لها .
وهم ليسو عدوانيون، إلا عندما يستفزون أو يقترب أحد من ماشيتهم ، ومعظم حروبهم كانت حول الماشية والمراعي الشحيحة في السافنا الفقيرة وشبه الصحراء .
ولديهم تراث هائل يتناقلونه جيل عن جيل عن طريق الشعر الذي يبرعون فيه، وكذلك الأحاجي البدوية الساخرة..ولكن عامرة بالحكمة الملغزة .
هذا التراث الذي يحفظونه معظمه يدور حول الحروبات العظيمة التي واجهوها ، سواء كانت بين جيرانهم المستقرين أو بقية الرحل .
وبقية الرحل هؤلاء هم ما يسمى بعرب دارفور وكردفان ، والذين يطلق قسم كبير منهم على أنفسهم لقب (العطاوة) . وحقيقي مؤخرا ندمت على أنني لم أستفسر منهم عن هذه الجزئية بالذات . كيف قبائل كبيرة كهذه عند الحروب الكبرى التي تواجهها (تفزع) وتتحد مع بعضها بزعم الأصل العطوي ..ومع ذلك ورغم ذلك كثير من خلافاتهم وحروبهم كانت ضد بعضهم البعض ..بسبب الجهل والجفاف وضيق المراعي ، وكانوا يموتون سنويا بسبب هذه الحروب القبلية الصغيرة .. ولا يهتم بهم أحد إلا نادرا..

ولطالما استفاد ما يسمى بالجيش السوداني من روحهم القتالية فجندهم في صفوفه .
ولطالما استغلتهم الطائفية والحكومات المتعاقبة لخدمة أغراضها الخاصة ..نسبة للفقر وتفشي الجهل ونقص التعليم النظامي وإنعدام التنمية في مناطقهم ..ولعدم استقرارهم أساسا ..فهم قبائل رحل يتبعون الماء والكلأ .
كانوا رعاة إبل في الأساس..ثم تحول الكثير منهم ومن أبناء عمومتهم في جنوب كردفان ودارفور إلى رعي البقر أسوة بجيرانهم من المجموعات القبلية الأصلية، فسمي من أحتفظ منهم برعي الأبل ب(الأبالة ) ومن تحول منهم إلى رعي البقر ب(البقارة ) .

عاصمة الرزيقات الرسمية هي (الضعين ) التي ظعن فيها أجداهم .واختاروها في قصة شهيرة حكاها لنا خالي ، وتتلخص في أنهم أرادوا منطقة آمنة يظعنون بها ..فأشار لهم أحد الشيوخ برمي البرمة في الاتجاهات الأربعة ..والجهة التي تستقر فيها البرمة ستكون هي الآمنة والطيبة للإقامة، ففعلوا .
والضعين هذه يتركز فيها الرزيقات البقارة .
أما الرزيقات الأبالة في الشمال لطالما كانوا يتبعون إداريا ل(كتم ).
المصدر( الخال إسماعيل هندوسة).

وكما ذكرت أن معظم حروبات الرزيقات كانت تدور بينهم وبين بني عمومتهم ..بل أحيانا بين بعض فروع الرزيقات أنفسهم ، وهم بذلك لا يختلفون في هذا التهور عن باقي مجموعة قبائل العطاوة.

كما شهدنا قبل سنوات حرب فرعين من المسيرية مع بعضهم البعض .
وكذلك حرب الرزيقات مع الزيادية ..والرزيقات مع المعاليا ..وهكذا
ثم تعقد لجان الصلح وتنحل المشكلة حسب أعرافهم البدوية العتيقة (ثم تدور تاااني)..
وكذلك كانت لهم معاهدات مع سلاطين وزعماء شيوخ القبائل الدارفورية مثل الفور والمساليت والزغاوة  وغيرهم .
وكان معظمهم يدين لسلطان دارفور بالولاء، وحكوا لنا عديد من حكاياتهم مع سلاطين الفور .
وهنالك حرب عظيمة جدا خلدت في وجدانهم وخلدوها عبر أشعارهم وأحاجيهم التي حرصوا أن يلقونها لها، ولكن لأننا لم نفهمها ولم نراها منطقية ..فلم نلتقط منها الكثير .
وهي حرب مع سلطان تونس !!

أما حربهم العظيمة الأخرى والتي خلدوها في أشعارهم وتراثهم وحرصوا أيضا على أن يحكوها لنا ويحفظونا أشعارها، فهي حرب تعرف بحرب (ناقة فني ).وهي حرب بين سلطان قبيلة خزام وبين مجموعة قبائل العطاوة.
وهذه لا أتذكر منها سوى قليل من التفاصيل وبضع أبيات شهيرة ..وهي أبيات الفزعة..عندما تنادت قبائل العطاوة لنصرة بعضهم البعض .
ولحسن الحظ وجدت توثيقا لها في بوست في سودانيزاونلاين بعنوان :
(قصة ناقة " فني " في السودان (البسوس السودانية) كما الأساطير..).

من هذه الأبيات :
 و عندما رد (فني) على سلطان خزام مفزعاً عشيرته :
 الساير عطية و المقيم حماد
 و الدخان البتلتل داك راشد الولاد
الناقة أبتمشي بيها وين يا الخزامي الداج؟
 و عطيه هم أبناء عطية و هم (رزيقات ومسيرية وحوازمة).
و حماد هم أبناء حماد ( أولاد حميد و تعايشة وهبانية وبني سليم ).
و راشد هم أبناء راشد و جميعهم أولاد جنيد.
فرد عليه الخزامي :
كان تلمو جنيد و مجنود
و أخوكم السلامي المعتوق
كور الغنم ما بقابل جبين الدود
يعني ( لو إجمعتم "جنيد " هو جد المجموعة الجنيدية المشار إليها أعلاه وأخيه " مجنود " هو جد الشكرية والكبابيش والحمر وبني جرار ، و " سلامة " هو جد السلامات)، فهنا تحدى السطان شرنقو سلطان قبيلة خزام (عبد الله العريقي فني) الذي استنجد  بأبناء عمه الجنيديين (أبناء حماد وعطية وراشد) فزاد عليهم السلطان شرنقو أبناء عمهم (مجنود)،وشبههم جميعا بقطيع الأغنام الذي لا يستطيع مقابلة الأسد ويعني بالأسد هنا قبيلة خزام .
وهكذا دقت نذر الحرب التاريخية وإنطحن الأعراب طحنا في سبيل ناقة !!

* من هم العطاوة ؟

الساير عطية والمقيم حماد
والنقارة البتدقدق راشد الولاد

هم مجموعة من القبائل التي تتحدث العربية يدعون أنهم من نسل الشيخ الجنيد، ويدعون أن للشيخ خمسة أبناء وبنت واحدة، أشهرهم : عطية، وحماد، وراشد.
 فى تعريفهم لأنفسهم فى كثير من الأحيان يقولون بأننا عطاوة ، وحينما يتنسب الفرد إلى العطاوة بديهياً تخطى مسمى القبيلة التى ينتمى إليها إلى مسمى مجموعة أوسع وهي العطاوة .

كل قبائل العطاوة (الأبالة، والبقارة)، فى الأصل قبائل تدعي أنها من جهينة، رعوية تدفقت إلى السودان عبر ثلاثة محاور :
 عن طريق النيل مع حملة القائد عبد الله بن أبى السرح(حسب المصدر!) .الجزء الآخر ذهب بمحازاة الساحل المتوسطي ليغزو تونس والجزائر وليبيا والمغرب، ثم لاحقا دخل جزء منهم شبه جزيرة آيبريا مع غزوة القائد طارق بن زياد. هذه المجوعة الأخيرة انحدرت من تونس إلى منطقة ودّاى (تشاد الحالية)، وأسسوا نظارات وأحلاف قبلية كبيرة حتى يومنا هذا . من هاتان المجموعتان : المجموعة التى دخلت جنوب الصحراء عن طريق تونس ، وتلك التى دخلت عن طريق نهر النيل. الأخيرة نزحت غربا لظروف ضيق المرعى فى الحزام النيلى.
 تجمعت تلك القبائل فى مناطقها الحالية وأسست أحلافا قبلية لحماية وجودها .

مع تأسيس تلك الأحلاف، ظل المحور الأساسى للقبائل هو السائد .. كقبائل الحوازمة مثلاً لديهم أحلاف قبلية كبيرة مع النوبة وآخرين..وهكذا بالنسبة لكل قبائل العطاوة.
المصدر (بريمة محمد آدم ).

وفي تاريخهم عندهم حرب شهيرة مع ملك تونس ، ويقال أن معظم أسلاف فروع القبائل العربية في دارفور وكردفان شاركت فيها ..ولا زالوا يتناقلون سيرة بطولات هذه الحرب وأشعارها وأهازيجها أبا عن جد .
المصدر( الجد محمد هندوسة).

وقد عدد بريمة محمد آدم في بحثه( العطاوة وإخوانهم)، قبائل العطاوة إلى تسعة مجموعات رئيسية إضافة إلي فروع صغيرة :
١- الرزيقات
٢- التعايشة
٣-الهبانية
٤- بني هلبة
٥- المسيرية
٦-،الحوازمة
٧-السلامات
٨-أولاد حميد
٩-بنو سليم
بالإضافة إلي قبائل أخرى صغيرة: التعالبة، الحوطية، الترجم، بنى خزام، البشير، بنى حسين، العياتقة، التمباب، زنارة وغيرها .
المصدر (بريمة محمد آدم، العطاوة وإخوانهم ).
(مع بعض التدقيق والمراجعة ).

وأكبر هذه المجموعات القبلية هي الرزيقات والمسيرية.
 ( المسيرية يقال أنها أكثر قبيلة أستشهد منها أفراد في الثورة المهدية ) .
والرزيقات من فرط كثرتهم وتعدد بطونهم وأفخاذهم حتى لقبوا ب(عيال رزيق هين التراب).
المصدر(الخال إسماعيل هندوسة).

ويقال أن للشيخ الجنيد خمسة أبناء وبنت واحدة، نزح بعض أبناؤه الى شمال أفريقيا تونس وليبيا ..ومن ثم هبط بعضهم إلي غرب السودان، وتفرق البعض منهم في الأقطار المجاورة  ليبيا وتشاد ومصر والنيجر ومالي وموريتانيا والمغرب..عديد من دول الصحراء الكبرى !
وجد الرزيقات هو رزيق بن علي الرحال بن عطية بن راشد بن الشيخ الجنيد ( كما يزعمون ) .
 ولرزيق أخوين :هم مسير جد المسيرية وعريق جد العريقات، وبعض المصادر تشير إلي أن لرزيق أخ واحد هو مسير وعريق هو إبن عمهم والذي له ابنان هما زبل وزبيلة.
 ولرزيق ثلاثة أبناء هم محمود وماهر ونائب.
محمود جد المحاميد ، وماهر جد الماهرية ، ونائب جد النوايبة .
المصدر (إبن خالي محمد شطة ) .

زبلة جاء بالزبلات ونظارتهم الآن بمنطقة كبكابية. زبيلة ومن ذريته جاء العريقات وهم ينتشرون في كل نواحي دارفور ،وبعضا منهم في تشاد، ولهم أربعة خشم بيت (فخذ) هم المناوية وأولاد قرو والدميصات، وموطنهم في مدينة كتم بولاية شمال دارفور وقرية مصري غرب مدينة كتم. وللعريقات تاريخ طويل في منطقة دارفور وتشاد وهم في الأغلب الأعم رعاة إبل نظراً لتوطنهم في المناطق الشمالية من دارفور وهي ما تعرف بحزام السافنا الفقيرة ونطاق الصحراء وشبه الصحراء. الابن الثالث وهو رزيق أنجب الرزيقات وهي قبيلة كبيرة تنتشر في كل أنحاء دارفور، لهم عدد من الأفخاذ وهم:
 المحاميد، الماهرية، الشطية، النوايبة، وأولاد زيد وغيرهم .
(الجد محمد هندوسة، وويكيبديا).

* محاولة فهم الطباع العامة لهذه القبائل :

يتميز أبناء هذه القبائل بكل طباع البدو عموما ، ويفخرون بالفروسية ، وكذلك الهمبتة لم تكن عيبا عندهم  .
ويصعدون زعاماتهم بالأكثرهم فروسية وجودا ( كون الشخص (أجوادي) أو كريم فخر ما بعده فخر عندهم ..والمرأة منهم تحتقر زوجها وتطلب الطلاق منه و(تشيل حاله) بسبة أنه غير أجوادي ).
ونساؤهم قويات وفارسات وشاعرات ذوات لسان لاذع .
وهم طيبون عموما قلوبهم كقلوب الأطفال ..ولكن عند الحاجة شراستهم لا توصف .
لا يعرفون الخداع ولكن لو خدعتهم فسيمكرون بك مكرا لا قبل لك به.
يمازحونك بذكاء ولطف وطيبة ، ولكن لو استحقرتهم فلن يغفرون لك أبدا مهما تطاول الزمن ..فلو اعتذرت سامحوك كأنما شيئا لم يكن .
يحبون من يحبهم ويكرهون من يكرههم .
ويقدسون الود والصداقة ويحفظون الجميل .
نادرا ما يبادرون بالاعتداء ..ولكن من الأفضل تجنب عداوتهم .
لا يحبون النميمة والقيل والقال ويعايرون من يفعلها ..وكذلك يصدقون كل ما يقال لهم ، مغرمون بأطلاق شتى الألقاب على أنفسهم وأصحابهم وأهلهم .. ولكن لا يحبون أن يطلق غريب عليهم لقبا .
ولا يعرفون الخوف.. فليس في قاموسهم سواء كانوا نساء أو رجال أو أطفال.
لذلك من السهل خداعهم وتجنيدهم في قضايا خاسرة..
وكذلك من السهل شحنهم وتجييشهم بالأكاذيب.
ولكن عندما يتبينون الحقيقة..لا يرحمون من خدعهم .

والأهم: أن ركوبهم هوالخيل والجمال، وسعيتهم هي الإبل.
يفخرون بها أيما فخر ويتغنون لها ويسمونها (الزينات سعاية الزين ) .

أما الحمير ..فليست ركوبهم ولا سعيتهم مطلقا ..
فلو أردت أن يبطش بك رزيقي ..فصفه ب(حرامي الحمير)..

معلومات مجانية إضافية :
الشيخ موسى هلال من الرزيقات المحاميد.
محمد حمدان دقلو حميدتي من الرزيقات الماهرية.
رزيقات جنوب دارفور رعاة أبقار تعلموها من جيرانهم وبحكم البيئة والضرورة.

والإنسان عدو ما يجهل .
فكم نجهل نحن السودانيون عن بعضنا البعض..!!

آمنة أحمد مختار أيرا
24 May 2019

الثلاثاء، 21 مايو 2019

ها البتدورا سرورة

حكت حبوبتي زهرة الله يرحمها قالت:
راجل إتزوج على مرته ، وبدأت حرب الضرات الصعبة ديك ..وغيرتهن من بعض في كل شئ ..
وكانت واحدة منهن إسمها سرورة..
 فماتت سرورة ..
ولما الناس شايلين الجنازة وماشيين وراها ..
استبدت الغيرة بضرتها فقالت وهى تتلظى حسدا :
(ها البتدورا سرورة ..خلقا أبيض وجماعة ماشين) .

يعني حسدتها حتى على الكفن الأبيض ..والناس الشايلين عنقريب الجنازة وماشين وراها مشيعنها إلى مثواها الأخير ..😓

الخميس، 16 مايو 2019

الثورة السودانية: صراع الإرادات..والمتاريس

الثورة السودانية: صراع الإرادات..والمتاريس
آمنة أحمد مختار أيرا

منذ استيلاء نظام إخوان الشؤم على الحكم في بلادنا..عانينا شتى صنوف العنف والاعتقالات والتعذيب والبطش والقتل لكسر إرادة الشعب ولتكريس حكمه الإرهابي.
ومع ذلك خاض الشعب ببطولة معركة التحرر الطويلة ولم يستسلم أو يهادن ..عبر المقاومة المسلحة في الأطراف والهوامش ..وكذلك عبر هبات المدن والقرى والتي سرعان ما تواجه بالبطش الشديد وإسالة الدماء .
وكذلك حشد النظام آلة عسكرية وأمنية رهيبة كرس لها معظم ميزانية الدولة، وصنع مختلف المليشيات الآيدلوجية والقبلية، وبعد أن كان الجيش قوات الشعب المسلحة..صار جيشا مدجنا تماما للنظام وأجندته القمعية الرهيبة ..وذلك عبر خطة محكمة لأدلجة الجيش كما شهدنا.
كما كان هدف جماعة الإسلاميين بالأساس أدلجة الشعب قسريا وكسر إرادته وتدجينه .
ولا يخفى على أي مواطن أن الإسلاميين عكفوا على وضع مختلف البرامج والدراسات النفسية والتكتيكية بهدف كسر إرادة الشعب وتدجينه تماما ..عبر ما يسمى بمشروعهم الإسلامي الحضاري..
الذي تصدى له الشعب وأفشله تماما .
 فإرادة الشعوب لا تقهر ..فهما تطاول ليل القمع ففجر الحرية لا شك باذغ، وتستجمع الشعوب إرادتها يوما ما وتكسر قيودها وتنتزع حريتها انتزاعا .
ورغم بداهة هذه الحقيقة وتكررها عبر التاريخ، لن يتعلم الطغاة ويستسلموا بسهولة.. خاصة لو تطاول زمن استيلائهم على الحكم كما في الحالة السودانية.
فهنالك شتى التكتيكات والوسائل بجعبتهم لا زالت. فكلما أفشلت مقاومة وانتفاضة الشعب وسيلة ..لجأ طغاتنا إلى أخرى.
وهم حاليا همهم الوحيد وشاغلهم الشاغل الإلتفاف على الثورة بشتى الوسائل ..لإبطال منجزاتها ومكتسبات الجماهير التي إنتزعتها نضالا تلو نضال ..وتضحية تلي تضحية ..وتكتيكا يلي تكتيكا .
لذا سيداتي سادتي، فالمعركة الآن هي معركة إرادات..
والخصم الذي نواجهه ويواجهنا  الآن هو الوجه العسكري للنظام، ووراءه كذلك وجههم الآخر المدني الذي تدرب على شتى تكتيكات إفشال الثورات والإلتفاف عليها..
فهم تدربوا على تغيير جلدهم عدة مرات كالأفاعي ..
فكلما نجحنا في خطوة وانتزعنا منهم مساحة في المعركة..ظهروا لنا بجلد أرقط آخر .

* معركة المتاريس المصطنعة :
تفجر الجدال حول المتاريس مؤخرا ..لسبب معين حسب تقديري .
فالأمر يتركز  كله في معركة حرب الإرادات لاكتساب مزيد من مساحة المناورة في التفاوض ..وكذلك كسب المزيد من الوقت للمماطلة ..
وكذلك كحجة لتأليب القوات المعسكرة سواء كانت نظامية أو غير نظامية ضد الشباب الثائر .
وتحويل معركة الإرادت بينهم تدريجيا إلى معركة تكسير عظم ..في خطة جهنمية لفلت الأوضاع تماما وتحويلها إلى حرب بقاء شاملة .

لذلك ما اللغط المثار الآن حول(المتاريس)..إلا وسيلة أخرى في جعبتهم يستخدمونها في معركة الإرادة ..وكل ما صدقهم وأطاعهم قيادات قوى الحرية والتغيير في حججهم حول المتاريس ..كلما فكروا في وسيلة أخرى لإعاقة الوصول لإتفاق حول الحكومة الانتقالية ما لم يكن بشروطهم وشروط المحاور التي يدورون في فلكها..خاصة وأن حرب اليمن الآن تهدد بالانتقال إلى العمق السعودي ..
وما تعليقهم للإتفاق إلى حين إزالة المتاريس خارج محيط اعتصام القيادة وتسويق هذا الأمر حتى صار عذرا مقبولا بين لدى العديدين إلى مجرد حجة للمماطلة ..وكذلك تكريس فرض إرادتهم على الثوار وقياداتهم .
وهذه الخطوة(الخطة) ستتبعها خطوات بالطبع، فهؤلاء لطالما أثبتوا لنا طوال ثلاثة عقود من الزمان ان جعبتهم لا تخلو أبدا من الحيل..
فما بالكم والآن تدعمهم وتعمل معهم مخابرات دول المحاور ..وتخطط معهم لتثبيت مصالحها والالتفاف على الثورة في (غرف عمليات طارئة) بلا شك؟

المتاريس: كعامل نفسي
أعتقد أن( نقة) المجلس العسكري حول المتاريس منذ بداية التفاوض مع قوى الحرية والتغيير.. وطلبهم فتح مسار القطار بحجة حرصهم على إرسال المؤن للمواطنين في كردفان ودارفور ..رغم علمهم سلفا باتفاق مسبق بين قوى الحرية والتغيير وإدارة السكة حديد بالسماح بحركة مرور القطارات..
وكذلك طلبهم بفتح الطرق لتسهيل حركة مرور السيارات ..ومرة بحجة نظافة محيط القيادة.
لم يكن نابعا من حرصهم على مصلحة المواطن بقدر ما كان وسيلة من وسائلهم ومحاولاتهم لفض الاعتصام، وكذلك لأن المتاريس منذ أن استخدمها الثوار في الأحياء كحماية لهم ولصد هجوم تاتشرات أمن النظام ومليشياته وشرطته ..لطالما أغاظت النظام وجلاوزته نفسيا ..وكلنا شهدنا محاولاتهم لإزالتها وإطلاق البمبان والرصاص الحي على من يحرسونها من الثوار .

فالنظام يعتبر نفسه في حالة حرب مع الشعب الثائر ..والمتاريس بالنسبة له سلاح في يد الثوار العزل .
ولا يزال هاجس سلاح المتاريس يزعج النظام وجلاوزته نفسيا .
وما تحججهم بالحرص على مصالح الناس وانسياب الحركة إلا حجة يتحججون بها لحصار الثورة والثوار في بقعة محدودة، ولكي تتحول هذه البقعة المحدودة (محيط ميدان القيادة) من حالة (اعتصام)طوعي من قبل الثوار ..إلى حالة (حصار مفروض)..
وسيتم تكريس هذا الحصار بمحاولة صنع فجوات داخله..بحجة فتح مسارات السيارات والكباري .
وستتحول هذه البقعة المحاصرة إلى محيط ضيق ومزدحم ومحدود ليس بإمكانه استقبال المزيد من المعتصمين..
ومع الإزدحام وحرارة الجو ..والصيام..ربما تتقلص أعداد المعتصمين تدريجيا .

لذلك هم يخشون تمام الخشية من ترس الشوارع الأخرى خارج ميدان الاعتصام.. ويعتبرونها تمددا في محيط الاعتصام يتيح مضاعفة أعداد المعتصمين.. ويكسبهم مزيدا من الأراضي المحررة..نعم المحررة
فقيادات الجيش يعتبرون أنفسهم في حالة معركة.. وينظرون إلى تمدد الاعتصام بمنطق الأراضي المحررة .
فأنتم تفاوضون عسكر..يعني كوادر مدربون على التفاوض وعلى التكتيك الحربي ووضع الاستراتيجيات التي تمكنهم من كسب مساحات للمناورة، ولا شك بأنهم الآن عاكفون على التخطيط في غرفة عمليات لتحويل ثورتنا إلى مجرد ثورة مسخ وافراغها من مضمونها وتراجع مكاسبها.
وما المقالات الذي كتبها ناعقهم الخال الرئاسي الطيب مصطفى وبعض محسوبيه من الصحفيين ..محرضون الجيش على المعتصمين تارة..وتارة أخرى مداهنين لهم ومطالبين بالتعامل بحسم مع الثوار المعتصمين، خاصة مقال الخال الرئاسي بعنوان غاية في الغرابة ويثبت بأنهم يعتبرون أمر المتاريس هذا معركة وصراع إرادات..كتب الطيب مصطفى بعنوان : (هنيئا للمجلس العسكري إزالة المتاريس)..راجعوا مقاله هذا وتأملوا خصوصا هذه الفقرة..وتجاهلوا كلمة (ندندن المضحكة) :
(نحمد الله تعالى أن المجلس العسكري قد اقتنع اخيرا بما ظللنا ندندن حوله ، فإن تأتي متأخرا خير من الا تأتي ، ولقد سعدت وسعدت الجماهير ، والله العظيم ، من قرار المجلس بفتح الشوارع وازالة المتاريس وانهاء عبث شباب قوى الحرية والتغيير الذين ظلوا منذ نحو شهر يغلقون الشوارع الرئيسية والكباري بل وخطوط السكة حديد ويوقفون العربات ويفتشونها ويسائلون كبار ضباط القوات المسلحة ويطاردون ويسيئون الى من هم في اعمار آبائهم وامهاتهم من الرجال والنساء بعد ان منحتهم قوى الحرية والتغيير تلك السلطة التي ظلوا يمارسونها لابتزاز المجلس العسكري حتى يرضخ ويستكين لمطالبهم المستحيلة).

هل لاحظتم التحريض البائن خاصة الجزء الأخير من الفقرة وعبارات مثل (منحتهم سلطة) و(يرضخ ويستكين) و(مطالبهم المستحيلة) ؟!!!

فهذا الشخص لا يريد أن يصدق أن البلد في حالة ثورة ..وأن الشعب ثار خصيصا لاسترجاع زمام أمره وسلطته المختطفة والمسروقة منذ عقود ..
وأن الجيش لم يعد هو الحاكم المغتصب للسلطة بعد اليوم فيعطي ويمنح ويقرر ..فالقرار الحقيقي الآن في شعب ثائر بأكمله..
والسلطة الحقيقية وكذلك الدولة.. قد عادتا لصاحبهم الحقيقي ..
وعلى الجيش إذا أراد أن يكون فعلا يستحق مسماه الحقيقي (قوات الشعب المسلحة) أن يعترف ويقر بأن الشعب الآن قد إستعاد سلطته المختطفة ..وأن الشرعية الحقيقية في هذه الوضع الراهن هي للشعب والشعب فقط .
ولو شاء الشعب لترس البلد كلها من أقصاها إلى أقصاها ..أرضا وبحرا بل وجوا..ولحق له أن يفعل..فلسان حال ثورته الآن يقول :
 على كيفي..على كيفي.
فهل تظنون أن دماء الشهداء التي مهرت هذه الثورة سالت عبثا ؟!!

الثورة المضادة..والمندسين:
أولا أعذروني فيما أود أن أقول في رواية المندسين الذين إتهمهم المجلس العسكري بأنهم السبب في المجازر الأخيرة ضد الثوار ..
ففي رأيي أن المجلس أثبت بمؤتمره الهزيل هذا والذي صب فيه جام اللوم على الضحايا ..أنه هو ذاته مجلس المندسين العسكري ..
وذلك نسبة للوقائع التالية :
أولا : المقالات التحريضية من صحافة (المندسين) أنفسهم .
ثانيا: الحشد الهاتف ناحية قاعة الصداقة والذي سبق المذبحة بيوم واحد بهتاف (ثوار أحرار.. لن يحكمنا أهل اليسار)..!!
ثالثا: المنشورات المريبة والمتوعدة للثوار التي ظهرت على وسائل التواصل لبعض منسوبي مليشيات الإسلاميين قبل ساعات فقط من مذبحة شارع النيل !!...وأشهرها تصريح الأمين السياسي لأمانة الشباب الإتحادية بالمؤتمر الوطني (النعمان عبد الحليم)..الذي كتب على حائطه في فيسبوك عبارة (سنذيقهم دما بدم)..!!

ثم يأتي المجلس العسكري أو مجلس المندسين العسكري في مؤتمره الصحفي ليحاول لوم الضحايا على ترسهم المتاريس خارج محيط القيادة.. وإلقاء ذنب قتلهم على ثلة مندسين مجهولين حتى اللحظة ..رغم سقوط عدد آخر من الشهداء اليفع ثاني يوم وبعضهم ضمن محيط القيادة !!

الأمر الذي يعد غريبا ومستغربا !!
 كيف لا يعرف المجلس العسكري بكل إمكاناته التي نعرفها هوية هؤلاء المندسين حتى الآن ؟!!
وماهي مهمته إذن ؟!!
خاصة أن هؤلاء المندسين المزعومون يرتدون نفس زي الجيش ومليشيات الدعم السريع ..ويقودون نفس مركباتهم ..ويقتلون الشباب على مرأي من الجميع ؟!!
فلو كنت مكان المجلس العسكري.. ولو كنت فعلا إنحزت للثورة كما ادعيت، لخجلت من أن أصرح بجهلي وعدم كفاءتي المهنية ولاعتذرت اعتذارا واضحا للشهداء ولأسرهم.  ولقدمت استقالتي فورا على الملأ .
فبأي وجه يبرر هذا المجلس لقتل الشباب وجلدهم بالسياط فقط لكونهم مددوا مساحة الاعتصام وترسوا مزيد من المتاريس ؟!!
لعمري هذا تبرير غريب ..ويشرعن لمزيد من سفك دماء الثوار في كل مكان بهذه الحجة غير المنطقية !!

ولكنها مجرد حجة أخرى ..
والمسألة محض..صراع إرادات يا سادتي
من يكسر إرادة من ..

ومن يخضع مرة..فسيجد نفسه يخضع  مرات أخرى..
حتى يتفاجأ بأن زمام الأمور والمبادرة قد خطفت منه دون أن يدري...
           
16 May 2019

الاثنين، 13 مايو 2019

اللا عنف: العصيان المدني والإضراب العام

اللا عنف: العصيان المدني والإضراب العام

خلفية تاريخية :
نهج اللا عنف هو أسلوب مقاومة عتيق تاريخيا وليس كما يعتقد البعض أنه مفهوم ونهج حديث النشأة .
فقد تم التبشير به وممارسته عبر القرون من قبل العديد من الشعوب حين كان ميزان القوة لا يميل لصالحها بل لصالح العدو أو الحكام الظالمين.
ونجد أثرا لهذا الكفاح السلمي في المعتقدات الدينية لبعض الشعوب القديمة،بل حتى في الكتب الدينية لمعظم الأديان ..
بما فيها الأديان التي تلقب بالسماوية .
ففي الأناجيل مثلا نجد إشارات لهذا النهج السلمي الذي مارسه ودعى له السيد المسيح (عليه السلام ) سواء في أقواله أو حياته ..خاصة في المشهد الأخير لحياته على الأرض .

فقد كانت عباراته الأشهر:
(وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكم)
 (متي 5: 44).
("وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا).
(متي 5: 39)
 وإلي آخره من عبارات متسامحة عميقة المغزى الإنساني والجلال الروحاني .

أما في الإسلام، فرغم ممارسة الجهاد والقتال ضد الأعداء ..فقد حفلت حياة الرسول (صلعم) وصحابته بنماذج التسامح خاصة في بداية الدعوة ..وكذلك عند تمام النصر .
وهنالك آيات وأحاديث تحض على المقاومة السلمية: (لئن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ). المائدة ٢٨
(ليس الشديد بالصرعة ،إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
حديث شريف، ومتفق عليه.
وإلى آخره من آيات وأحاديث نبوية حاضة على هذا المفهوم السامي.

أما في التاريخ الحديث فتعتبر جماعة( الأصدقاء) التي عرفت ب(الكويكرز) من أبرز الجماعات التي تبنت هذا الفكر غير العدواني.
ثم ظهر المفكر الأميركي هنري ديفيد ثورو وكان من أبرز منظري المقاومة السلمية.
 كذلك يعتبر مهاتما غاندي من أبرز مبشري وممارسي مفهوم (أهيمسا)، وهي عبارة سنسكريتية تعني اللا عنف .
وكذلك رائد الحقوق المدنية الأمريكية القس مارتن لوثر كنج .

وفي التاريخ المعاصر من أبرزهم بترا كيلي مؤسسة حزب الخضر الألماني .
وكذلك ليخ فاليسا رئيس حركة (تضامن) العالمية البولندية ورئيس بولندا السابق .
والزعيم الجنوب أفريقي نلسون مانديلا

كذلك تبنت سياسة اللا عنف كل تنظيمات الخضر السياسية وحركات ومنظمات البيئة حول العالم وأشهرها حركة السلام الأخضر.
وكذلك العديد من النقابات العمالية والحركات المطلبية المدافعة عن حقوق النوع والأقليات والبيئة وقضايا المناخ.
 وكذلك الحركات السياسية المتصدية لممارسات فرض العولمة ومناهضة التحكم الرأسمالي في الاقتصاد العالمي.
وكذلك العديد من الانتفاضات والثورات الشعبية حول العالم .
فقد ثبت إحصائيا أن كلفة المقاومة المسلحة أكبر بكثير من كلفة المقاومة السلمية.
كما أن حركة اللا عنف تجمع بين الاستراتيجية المرنة والصورة النضالية الحضارية التي يمكن بجاذبيتها وتكتيكاتها السهلة التطبيق..مقارنة بالمقاومة العنيفة أن تصير معدية وملهمة لدول وقضايا عديدة.
ويعتبر د.جين شارب، من أبرز منظري سياسة اللا عنف في العصر الحديث وله إسهامات فكرية معروفة للتقعيد لهذا المنهج المقاوم .

تتعدد أساليب المقاومة السلمية بتعدد المواقف والمواجهات والظرف الداخلي للبلد أو المنطقة أو بيئة ومجال القضية محل الكفاح.
وعلى حسب جين شارب يمكن تصنيف هذه الأساليب والتكتيكات في ثلاث مجموعات رئيسية:
١- أساليب الاحتجاج والإقناع (مثل التظاهرات والمسيرات السلمية(المواكب)..وكتابة ونشر وتوزيع المنشورات (الموجهة)..واستخدام ألوان معينة (في اللبس او الشارات مثلا).
٢-أساليب اللا تعاون( وتعني كل أنواع الرفض الشعبي مثل الإضرابات والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمؤسسات الدولة) أضف لذلك منسوبيها .
٣-أساليب التدخل اللا عنيف( تعطيل الأعمال الروتينية واحتلال المكاتب(الحكومية والموالية)، وإنشاء مؤسسات وحكومة موازية (حكومة ظل).

ويعتمد اختيار النشطاء للوسيلة المناسبة حسب طبيعة المواجهة التي يفرضها الموقف .
فقد يكتفي البعض بكتابات الجدران أو الرسوم الجدارية التي تعبر عن القضية محل الكفاح، وكذلك نشر المناشير، والاضراب عن الطعام سواء كان فردي أو جماعي .
ومن ثم يتطور تكتيك المواجهة السلمية وفقا لتطور الأحداث والتحديات.
 .......
والآن نأتي لحالة السودان، وثورته المنتصرة بلا شك ..والتي استخدمت هذا النهج اللا عنفي بنجاح حتى الآن، عبر التظاهر والمواكب والمناشير والكتابة الرافضة والرسوم على الجدران ..وقد توجت عملها بالاعتصامات التي حققت نصرا ملموسا تمثل في تنحية الدكتاتور وتبقت مهمة إزالة دولة حكمه العميقة .

العصيان المدني والإضراب العام :
وهو الوسيلة المتبقية الآن في جعبة الثوار لتطلق رصاصة الرحمة على النظام الحاكم عبر مجلسه العسكري.
وهو الخطوة المنطقية التي تعقب الاعتصامات، لتسبب شللا في الدولة يجعل من الاستمرار في السيطرة عليها أمرا غاية في الصعوبة لأي حاكم .
ولا أعني بذلك إلغاء الاعتصامات.. بل تستمر ويكون الإضراب العام السلاح البتار المكمل والمتوج لكل الحراك الثوري .

إضراب معلن في توقيت واحد في كل البلاد
يشل الدولة تماما..
وسنرى ماذا يفعل العسكر حينها.

هذا مع ضرورة أخذ المضربين احتياطاتهم اللازمة وتوفيق ظروفهم بقدر الإمكان ..آخذين في الاعتبار أنه قد يكون إضرابا طويلا يحتاج صبرا وعزيمة لا تفل ..ولكن نتيجته ستكون فاصلة ومرضية .

كذلك على سودانيي الشتات تكوين لجان لدعم المضربين .
و..
#الثورة_منتصرة

آمنة أحمد مختار أيرا
13 May 2019

شق صف

    قبل شهر وبعد تنحي إبن عوف كتبت متمنية إنه( الثوار المعتصمون في ميدان القيادة )يتفقوا مع بعض ويعلنوا حكومتهم من الميدان .
    هذا رغم تخوف البعض من تكرار تجارب فنزويلا وليبيا واليمن في وجود حكومتين.
    ولما اقترحت اقتراحي دا ..ما كان خوفا على قوى الحرية والتغيير وذراعهم المهني..
    بل خشية على مصائر الثورة من أحلام ومطامع وخلافات آل البوربون هؤلاء .
    وكذلك إشفاقا من أن تضيع الثورة في متاهات المساومات الداخلية والخارجية ..وإغراءات المحاور الإقليمية المتربصة التي تريد أن تطفئ وهج ثورتنا ..لتحيلها مسخا شبيها بمآلات ثورات شعبية لدول مجاورة .
    خاصة أن من تسنموا ثورة الشعب واستلموا زمامها في منعطف ما.. دون أن يعلنوا عن أنفسهم بشفافية حتى اليوم ..
    ديل الكان سبب عدم إعلانهم للحكومة يوم لموا الناس بالملايين في القيادة في ذلك الحشد المشهود.. خلافات داخلية بينهم وصراعات لم ولن تنتهي بينهم وبين القوى التي منحوها حق التحالف معهم دونا عن الآخرين..
    فإذا هم فشلوا في أمر كهذا نالوا فيه تفويض شعبي ثوري ملاييني ..وأخلفوا وعدهم للشعب ولأمهات الشهداء دون خجل ..وأحرجونا أمام الأمم التي جلست تترقب جسارة وإقدام ثورتنا أمام الشاشات ..
    فمفترض بعد هذه الفضيحة الدولية أن يختشي هؤلاء ويعتذروا للشعب وللشهداء ويتنحوا ويسلموا الشباب زمام ثورتهم..
    لكن وييين مع العين القوية والجلود التخينة لمن يظنون أن البلد بشعبها كلهم واقعين ليهم في ورثة ..
    فهم في عرفهم إنهم أسيادنا..وبين السيد والعبد مافيش إختشا..
    وكمان فاتحين نفسهم عايزين يحكمونا أربعة سنين قال.. بدون تفويض انتخابي!!!
    فديل الظاهر ما عانوا زينا وعاشوا العذاب والمعاناة وفقدوا أهل طوال ثلاثين عاما.
    معظم قياداتهم كانت لهم تقاطعات مع الإنقاذ وبعضهم جلس في برلمان الانقاذ..والعديد منهم قبض ولا زال يقبض باسم السودان من الداخل والخارج ..
    تخوفي من فترة انتقالية طويلة ..هم يزعمون ضرورتها للقضاء على دولة الكيزان العميقة..
    حين تخوفي من إنه بعض من الدولة العميقة دي تجد لها(حاضنة وأسباب بقاء) من خلال تحالفات ومصالح قديمة مع هؤلاء ..
    وكذلك مصاهرات وعلاقات قرابة..وصداقات مريبة ومعقدة كما نعلم .
    ومفترض تجربة الديمقراطية الأخيرة وما حدث فيها وفي فترتها الانتقالية تكون فيها الدروس والعبر ..
    فهم حتى اليوم يتبادلون الاتهامات حولها وحول السبب في ضياع الديمقراطية الأخيرة .. وحول من تسبب في قدوم الكيزان وانقلابهم ..!!
    فكيف بعد ثورة فقد فيها الشعب خيرة شبابه ..نسلمها ببساطة لجماعات أسرية من نخب المركز وشتات الحركات..تسمي نفسها كيانات سياسية ..
    رغم أن بعضهم كان سببا في ضياع تجاربنا الديمقراطية بتصرفاته غير الناضجة سياسيا رغم عراقة تجاربهم المفترضة.. !!
    بعدين نخب المركز ديل وكذلك قادة شتات حركات الهامش ..لطالما جلسوا في صالونات قصور رموز الإنقاذ العائلية وتبادلوا معهم الونسات والأنخاب والمجاملات الإجتماعية ..
    والشعب الثائر في الشوارع دا يا عيني معظمه لا يعلم المصالح المريبة بين هؤلاء والتي استدعت قيام (وساطات رجال أعمال ذوي مصالح ورموز صحافة مخضرمين ومدجنين)..
    وأفسحت المجال للحج إلي دول البترودولار ..والسعي بين صفا ومروة المحاور (نفس نهج البشير ودولة كيزانه القديمة)..

    الكلام دا حصل ..وللا ما حصل؟!
    ودا مش تاريخ معاصر كلنا عايشناهو وهسه لا يزال ماثل ومستمر قدامنا في سلسلة خلافاتهم حول تقاسم كيكة الفترة الانتقالية.. (هذه الخلافات التي ضيعت لحظات حاسمة وحساسة من عمر الثورة)..
    الأمر الذي جعل المجلس العسكري يمد رجليه مرتاحا ومتفرجا على هذا السيرك ..وينفذ أجندته براااحة..
    وبالتالي نشطت المحاور ولقت فرصتها في إغراء القابلون للبيع... أو لرغبة بعضهم في حماية أفراد من أسرهم شاركوا النظام ..ولربما سعيا لإيجاد مخرج آمن لهم ..
    هذه القوى واضح جدا لكل شافع ثائر أنها غير مسؤولة بصراحة..
    ولا زالت تخاطر بإغراق البلد في فوضى المواجهات بين العسكر والثوار المتحمسين..
    وتخاطر بإهدار مزيد من دماء الشباب الثائر المعتصم تحت الشمس الحارقة..

    وهذا الهرج والمرج والأنانية والغرور وعدم التجرد لمصلحة الوطن ..غير غريب على ممارسات هذه القوى السياسية طوال عقود .ظنناهم تعلموا من تجاربهم ولكن ثبت الآن أنهم لم يتعلموا شيئا ..
    فكيف تريدون منا أن نثق في قيادة هؤلاء لفترة انتقالية طويلة تتعدى السنتين ..وتجيهم سااااقطة كدا وتقع ليهم في عبهم بدون تعب الانتخابات والصناديق وتحدياتها ؟!..
    ونحنا غمار الشعب التعبنا وتعذبنا وعانينا وفقدنا أهل في الصراعات ..ما الذي يضمن لنا عدم عودة أو تكريس الدولة العميقة عبر هؤلاء الذين نعلم مصالحهم وعلاقاتهم وقراباتهم وتصاهرهم معها ؟!!!

    بل من يضمن لنا أن لا تتسبب خلافاتهم في هذه الفترة الطويلة في تشجيع بعض المغامرين الطموحين أو عملاء المحاور من العسكر..إنهم يتهوروا ويعملوا إنقلاب بحجة كثرة خلافات حكام الفترة الانتقالية ؟!
    هذا لا قدر الله طبعا .

    لكن بجد، من يضمن لنا ؟!!
    من يضمن لنا ذلك عليه أن يوضح بالتفصيل مبرراته.
    وشكرا .

    آمنة أحمد مختار أيرا
    11 May 2019