الصفحات

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

فى ذكرى إستتشهاد د. خليل إبراهيم





عانت الدولة السودانية منذ بدء عملية تكوينها الأولي من حالة مزمنة من الإجهاد السياسي ، تسبب به الأمراض التى رافقت عملية التكوين ، وأدت بالتالي إلى خلل مزمن فى بنية الدولة ( سياسيا وإجتماعيا ) سيؤدي لاحقا إلى إهترائها وخلخلة بنيانها– كنتيجة حتمية .

فإذا كان المجتمع كائن عضوي يؤثر ويتاثر فقد كان من الطبيعي أن تنتقل كل الأمراض المجتمعية إلى بنية الدولة ، وتؤثر على مزاج صناع القرار ، الذين سيقحمون بالتالى كل هذه العلل فى مجال السياسة والحكم .

وسيرتد هذا الأمر بالطبع بصورة عنيفة ليؤثر فى المجتمع والناس - كما نشهد الان .

وهذه العلل والأمراض كثيرة – أولها العنصرية والأصطفاء العرقي والعقيدي ، التى تمظهرت بصورة بينة وجلية فى أثر سياسات المستعمر على الأرض والناس .
يعتبر دخول الإستعمار إلى السودان – الذى بدأ بدخول العنصر العربي كعرق و الدين الإسلامي كعقيدة – كارثة ووبالا على العناصر العرقية السودانية الأصلية وعلى أديانها ومعتقداتها .

هنا .. لعلعت صافرة البداية لتعلن إنفلات عقال حصان سياسات التهميش والإقصاء الجهوي والإصطفاء العرقي – الذى تشكل حاليا كأزمة وطنية : حروبا عرقية وجهوية ودينية على الأرض . وشحن سلبي كهرب العلاقات الإجتماعية بين المواطنين وشوهها بمشاعر النفور والإزدراء والكراهية بين التكوينات العرقية التى تستظل تحت سماء الرقعة الجغرافية التى تسمى بالسودان ..

هذا الشحن السلبي دعمته الدولة بوسائل إعلامها التى تروج لثقافات ومعتقدات بعينها – بإعتبار إنها الثقافة المثلي التى تمثل الوجدان الوطني .
الأمر الذى زكى الشحن السلبي المتبادل وعمق المشاعر السلبية بين مكونات الأمة السودانية

وبرز هذا الصراع من الخفاء إلى العلن ، ومن التقية إلى الجهر به .
وهو ما دأب المثقفون على توصيفه وتشريحه تحت عنوان : جدلية المركز والهامش .
وأسميه : بالمسألة السودانية .


................
 والجدير بالتأمل : إنتقال إمراض وعلل الدولة إلى الكيانات والتنظيمات السياسية ، التى من المفترض أنها تمثل وعاء يستوعب التعقيدات الثقافية ، ووالتى تزعم إنها تقدم مشاريعا لإستعياب المكونات المختلفة للمواطنين ، وتقدم حلولا وعلاجا العلل المجتمعية لا مزكيا وداعما لها .
فالتنظيمات الكبري أيضا تتجاهل عن عمد غالبية السكان (60% عنصر أفريقي ) ، وتنظر إليهم كمكون ثانوي- عرقيا وثقافيا ـ ومن الملاحظ أن العلاقة بينها وبينهم يشوبها الإستغفال المتعمد والتعالي الفكرى الصفوي . فهى تسعى سعيا حثيثا إلى حشدهم داخل تكويناتها ، ولكن شرط أن يكون وجودهم ككومبارس أو جوقة من المهللين ، ومجرد إكسسوار للزينة الحزبية لتدعم به إدعاءاتها القومية .
ولكن فى أول محك حقيقي لا يلبث هذا القناع إلا قليلا وينكشف ، مبديا عن وجهه العنصري التقليدي بكل قبح وقماءة.


...........................
 منذ بداياتها روجت الحركة الإسلامية السودانية لمشروعها بين أهل الهوامش بإعتبارها بديلا حسنا عن التتنظيمات الطائفية التى مارست إستغلالا وإستغفالا ممنهجين لأهل الهوامش والإطراف .
ولكنها بطبيعة الحال لم تكن بديلا حقيقيا ، لأنها أيضا فى سعيها لحشد المهمشين حول برامجها - مارست أيضا مغازلة الوجدان الديني ونشر التجهيل المتعمد وغسيل الدماغ – نفس الإساليب الممارسة من قبل التنظيمات الطائفية والعقائدية .
ثم ساقت هؤلاء المغرر بهم وقدمتهم قرابينا على مذبح حروبها العقائدية وخلافاتها السياسية.

..........................
 هل إستيقظ مهمشو السودان المنتمين للحركة الإسلامية ؟

البداية كانت مع كادر الجبهة الإسلامية القوى( داؤود يحيى بولاد ) الذى إستيقظ على حقيقة مرة وقاسية ( إن العرق أقوى من الدين ) الأمر الذى جعله يعلن تمرده على نظام الإنقاذ الذى جاء ليمكن ويعيد صياغة ( دولة الجلابة) على أسس أقوى وبنيان اكثر رسوخا .
كان ( من المفترض ) أن يكون لتمرد بولاد – كفاحه ضد دولة المركز ( المتمثلة هذه المرة فى حكومة الإنقاذ الوطنى ) – الأمر الذى ترتب عليه إعدامه بصورة بشعة وإنتقامية ، أن يكون بمثابة جرس إنذار و ( لمبة حمراء ) لبقية كوادر الجبهة السلامية الفاعلين المنتمين إلى الهوامش .
وكان من الطبيعي أن يتبع هذه الصحوة صحوات ..


...........................

خليل بعد التعديل :

كما سبق أن ذكرت ، كان من المفترض أن يكون لتمرد بولاد - ومن ثم إعدامه ، أثرا داويا بين أهل الهوامش المنتظمين فى التيار الإسلامي الراديكالي ، ولكن للأسف تأخرت الصحوة الحقيقية حتى السنوات الأخيرة ، بعد أن كلف المشروع الإسلامى الهامش خسائرا فادحة فى الأرواح والممتلكات .

هذا المشروع الذى إستهدف الهامش بكل وضوح ..منذ طلقة بدايته الأولى ..

فأعلن الجهاد على نصف الوطن .

وإنطلقت مركبات الموت العقائدية لتعيث خرابا فى الجنوب ..ولتحشد الجموع المستغفلة حول مشروعها الإبليسي لتصفية الديانة المسيحية ومعتنقيها .

ولم تكن هذه الحرب المجنونة ..إلا مجرد تمظهرا آخرا من تمظهرات الدولة السودانية ذات الطابع العنصري منذ تكوينها ..

...........................



 وقد أجاد نظام الإنقاذ إستعمال أدواته الإعلامية فى حشد تعاطف المواطنين غير المنتمين لهذه الحرب عبر الإعلام الموجه - أو الإعلام التعبوي .

مغازلا فى ذلك الوجدان الديني تارة - وتارة مستخدما إبر الوخز الجهوية والعرقية ..

وقد نجح فى ذلك إلى مدى بعيد .

وكان للبرنامج التلفزيوني الملعون ( ساحات الفداء ) القدح المعلى فى تجييش مشاعر المواطنين واللعب على أوتار حسهم الدينى .


وإنطلق عقال مشاعر الكراهية لآخر مداه ...وأفرخت العنصرية وباضت بكل إرتياح فى هذا الجو الملغوم ..ولكأن المنطق والعقلانية منحا إجازة مفتوحة ..

فى هذا المشهد السريالي الذى تمدد ليملأ كل الشاشات ..أثيرية كانت محصورة فى صندوق أم واقعية متشكلة على الأرض .


...................................

 وإنطلقت مواكب أعراس الشهداء فى الحضر والبادية - القرى والنجوع والأحياء السكنية ..لتزين هذا المشهد العبثى ، وتلعلع زغاريد الموت لتزف خيرة شباب الوطن إلى فوهة العتمة .

قرابينا لوحش الكراهية ...الذى لا يلذ له إلا إلتهام (الفطائس ) ..


...........................

 يأبى المشهد العبثي إلا أن يتمادى فى عبثيته ..
فتستبد بالأخوة شهوة الحكم ، فيصطرع الشريكان ، ويتشبث من أرسل إلى القصر بقصره ..ويرسل من حاك الأمر إلى معتقله.


وتنشق الحركة ..كنبوءة الشيخ الشهيد .


ومن خلف المشهد ..تبرز من فوهة العتمة يد معروقة مضرجة بالدماء ...وصوت يصرخ بعلو ما بقى له من أمل :

شهيد انا أم فطيس

شهيد أنا ام فطيس


ولا مجيب ..


.........................

 وداست سنابك هذا الصراع السلطوي النموذجي على ما تبقى من أمل لأهل الهوامش المنخرطين داخل التيار الإسلاموي ، فى كل ما وعدهم به تنظيمهم من عدالة ومساواة ..

فأفاق ( الخليل ) من نومة عميقة طويلة ..كما الغيبوبة رافقته منذ دخوله إلى الخلوة غرا يافعا ناشئا فى
رحاب العقيدة مستظلا بظلها ..الذى إستحال إلى ظل ذى شعب ، لا يقى المستظل به من سعير العنصرية ولا يقيه من لهيب الكراهية ..

أفاق على الحقيقة المرة التى تبدت لأخوه ( بولاد ) من قبل ( العرق أقوى من الدين ) فى هذه الرقعة الملعونة ..المسماة على لون جلود الأسلاف .


.............................

 سؤال موجه (لهم ) : هل تظنون إن إغتيال الخليل سيكتب الخاتمة لهذه الملهاة الوطنية ؟

مرحبا بالوهم الفادح والعريض ..
ليتمدد تمدد السراب على أفق الوطن الشاسع
مرحبا بضياع آمال حسم المعركة ..

فالمعركة الأزلية مكتوبة على جبين الوطن
حتى قبل أن يتشكل ..
نبت الكراهية لن يثمر إلا حصرما ..
وشجرة العنصرية لن تطرح إلا علقما ..
فليبتهج المبتهجون ..
وليزغرد المزغردون ..
وليتمايل الراقصون
على أنغام بائسة كبؤس معانى الأهزوجات
ولتنحر الذبائح إبتهاجا ..
بالخديعة
ولتراق الدماء على الأرض تبركا
ولتلحس السكاكين المضرجة بالسائل الأحمر
عله يبعث نشوة فى مفاصل
إبليس العجوز ..


..............................

 رحم الله خليلا ..

وللموتِ كأسٌ تكرهُ النفسُ شُرْبَها، ولا بُدّ يوماً أن نكون لها شَربا
من السّعدِ، في دُنياك، أن يهلك الفتى بهيجاءَ، يغشى أهلُها الطعنَ والضّربا
فإنّ قبيحاً، بالمسوَّدِ، ضِجعَةٌ على فَرْشِه، يشكو إلى النفَر الكَربا

ولي شرَقٌ بالحتفِ، ما هو مُغَربٌ، أيمّمتُ شرقاً، في المسالكِ، أم غربا
تَقنّصَ، في الإيوانِ، أملاكَ فارسٍ، وكم جازَ بحراً، دون قيصر، أو دربا
( المعري )


.

 
 

,

لماذا التمسك بفكرة السودان الجديد تبع الزعيم جون قرنق ؟ (مقال قبل الإنفصال )

* أولا لأنها فكرة سودانية أصيلة ، نبعت من زعيم سوداني فخور بسودانيته ..معتز بها.. وغير ناكر لها أو خجل منها .

لم يكتف بطرح الفكرة فقط ..وإنما ناضل فى سبيلها ، بل واستشهد .

د. جون قرنق زعيم سوداني أفريقي مائة بالمائة ، فخور باأفريقيته وسودانويته، لا ينسب أصوله لأى جهة أخرى خارجية غير السودان ( سواء كان عرق أو دولة أو قارة )...

وينتمى الى جزء كبير من الهامش السودانى فى طريقه الآن الى الإنفصال عن الوطن الأم ، كنتيجة طبيعية وحتمية لسياسات وممارسات ما يلقب ب( المركز ) أو ( النخبة السياسية الحاكمة والمسيطرة منذ الاستقلال ..بل ما قبله ) ..

ومع ذلك حارب هذا الزعيم الفذ ، وناضل من أجل تحرير السودان ..من هذه النخب التى أثبتت فشلها فى إدارة هذا الوطن ، إدارة واعية تحقق له أمنه واستقلاله وحرية و عدالة ورفاه مواطنيه .

وناضل من أجل وجدة هذا التراب العظيم الشاسع المترامى الأطراف ، ووحدة شعوبه ذات الحضارات العريقة الضاربة ومتحكرة فى أعماق التاريخ .

ولم يهتم أو يكترث كثيرا بتجذر وتغلغل ( العنصرية والاقصاء للآخر ، والتهميش الثقافى والاجتماعى والنوعى ) كندوب تشوه الوجدان السودانى ، بل أعتبر ان هذه الأمراض ستزول بزوال المسببات التى غرست كثقافة فى الوجدان السودانى القديم الذى يفتقد الى التجانس . والدولة السودانية التى لم تكتمل أشراطها كدولة ، والشعب السودانى الذى لما يتشكل بعد كشعب ذو هوية واضحة .

لذلك فمن باب أولى لنا كسودانيات وسودانيون أن نلتقط هذه الراية ، و نواصل هذه المسيرة السودانية الأصيلة ، التى انطلقت بقطار مشروع السودان الجديد ، هذا الحلم السودانى النبيل الذى نحن أولى به ..وهو أولى بنا ..

ومن باب أولى أن نواصل مسيرة هذا الشهيد الذى ناضل و استشهد من أجل وحدة السودان كله دولة وشعبا ، سواء كنا ( حركة شعبية أم غير ذلك ) ، وليس فى الأمر ما يعيب ، ولا يوجد أى تناقض فى ذلك .أذاا كنا ننادى ونعمل من أجل نفس الأهداف فمن الطبيعى أن ننهل من نفس المنهل .

فمن أجل حاضر السودان ، ومستقبله ومستقبل أجياله ، لايجب علينا ن ندير ظهورنا لأهل الجنوب زعامات كانوا ..أم شعوبا ، أفكارا كانت أم ثقافات ..حتى لو كان خيارهم هو الانفصال .

وعلينا أن نكافح فى سبيل حماية البلد من التشظي والتفكك الى دويلات متناحرة ..

وهذا لن يكون - حسب رؤيتنا- الا بالعمل والسعى الجاد من أجل سودان جديد ..قائم على أسس جديدة ، ولا صوت يعلو فيه على صوت المواطنة ، ولا غاية اسمى لدى شعوبه من الحرية .

* مشروع السودان الجديد : نرى أنه قد حسم الجدل حول ( الهوية ) ، هذا الجدل الدائر منذ قبيل الاستقلال ، عبر تبنى هذا المشروع لل( السودانوية ) و( الوحدة فى التنوع ) ، اضافة لمبدأ] الحرية والعدالة الاجتماعية ، بما يقترح حلولا لصراع ( المركز والهامش ) أو ( المركز والأطراف ) ..

بكل أبعاد هذا الصراع ( الطبيعى جدا والحتمى والواقعى ) سياسية كانت أم اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو تنموية .

* ربما يقول قائل ان هذه الفكرة ليست جديدة ، وانها قد طرحت من قبل بعض الزعماء او التنظيمات السياسية الأخرى فى الهامش .


ولكننا بالرغم من ذلك لا يجب  أن لاننكر إن  الزعيم د. جون قرنق.. هو ولا أحد سواه .. من جعل هذا الحلم واقعا يمشى على قدمين ، حتى بدأت بوادره تتضج وتتبلور ...

فلا يجب أن نغبط الرجل حقه ، بعد أن كافح فى سبيل ذلك نصف حياته فى إطار الحركة الشعبية لتحرير السودان .



* كون مشروعنا السياسى هذا ( حزب الخضر ) قد نبع من الهامش أولا ، ومن نساء سودانيات ثانيا ، فاننا ندرك أهمية هذا الطرح ( السودان الجديد ) بالنسبة لإنسان الهامش ، وبالنسبة للنساء والشباب وكل الفئات مهضمومة الحقوق ، ومبعدة عن المشاركة الفاعلة سياسيا كان أم اجتماعيا أو اقتصاديا ..



فانسان الهامش : جعلته سياسات السودان القديم وسدنته محصورا ومحبوسا ومخنوقا فى هامشه ، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا ..واقتصاديا ..



ونساء السودان : شاركن فى كل الثورات والانتفاضات ، وأسهمن جهدهن فى صناعة التغيير للأفضل ، ولكن فى كل مرة يعود سدنة السودان القديم بسياسات ذات مرجعية دينية واجتماعية محاولين بها ادخال المرأة فى قمقم القهر والتسلط والاقصاء .



بالنسبة للشباب الذى هدته وحاصرته هذه السياسات القاصرة وأدخلته فى دوامات العطالة والبطالة وفقدان الأمل فى المستقبل ، رغم أن الشباب لطالما كانوا دوما هم وقود الثورات والانتفاضات ، بل والحروب الأهلية التى تفتعلها نخب المركز الفاشلة المدمنة لإجترار سياسات السودان القديم التى أثبتت عقمها وعجزها عن بلورة أمة سودانية حقيقية ، ودولة سودانية عصرية مواكبة لزمنها.



* إضافة لكل ذلك : فإن الحتمية التاريخية ، ودولاب التاريخ العملاق الذى بدأ فى الدوران ، والذى جعل من التغيير فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واقعا ( ممكنا ) بعد ان كان حلما بعيد المنال ، وشبه مستحيل ..


نرى إنه كذلك .سيجعل من ميلاد سودان جديد ..أمرا لابد منه ..كتطور تاريخي طبيعي للسودان كدولة وكشعب ، ونتيجة لا مفر منها للتغيير العاصف الذى يجتاح المنطقة ... والذى لا يمكن إيقافه بأى وسيلة ..لأن التغيير سنة الحياة وطبيعة الأشياء ..

فالتغيير قادم قادم ، ولو كره الكارهون ، من عشاق القديم وسدنته ، المتشبثون به حماية لمصالحهم ومكاسبهم التى يظنونها أبدية ..

وهل هناك شئ أبدى فى هذه الحياة الدنيا ؟!



فالتغيير كما نعلم جميعا ..من سنن الدنيا والحياة ..

و( التجديد ) شأن من شؤون التاريخ ...ومن بإمكانه إيقاف عجلة التاريخ ..من ؟!

والتاريخ هو الماضى الذى يصيغ الحاضر وينبئ بالمستقبل ..

كالأنثى التى تحمل جنينها فى رحمها بميقات ..وتضعه بميقات ..

كذلك هو حال ( رحم التاريخ ) .

الإعتراف والإعتذار أمران لابد منهما لإزالة مافى النفوس وفتح صفحة جديدة


    ينظر كثير من مثقفى الوسط والشمال بريبة شديدة لحركات الهامش التى رفعت السلاح ضد المركز ، وينظرون اليها كوحش فظيع  أفلت عقاله أو كمارد مخيف خرج من قمقمه ولابد من إعادته اليه طوعا و قسرا . ويحاولون دوما دمغ هذه الحركات بكل الموبقات وإثارة الشكوك حولها بدءا من اتهامات بالعمالة انتهاءا بإنكار الأسباب الموضوعية والتاريخية التى دفعت الهامش دفعا الى النضال المسلح .

    فالبعض يرى أن جعجعة أهل الأطراف قد بلغت مداها وفاتت الحد ، وانه لابد من إسكاتهم ..عبر نزع فتيل ( مصطلح التهميش ) الشديد الانفجار وإفراغه من مضمونه بحجة ان السودانيين كلهم مهمشون، (وهذا يصب فى خانة التشويش على مظلمة أهل الهامش ) يعنى كلو محصل بعضه وكلنا فى الهوا سوا..
    وفى هذا الطرح تجاهل متعمد لحقائق تاريخية وإجتماعية وسياسية يعرفها جيدا كل السودانيين .

    أولا: الحمد لله أن الجميع صاروا يقرون أخيرا بان التهميش موجود ، دى زاتها خطوة للامام ، لأن الكثيرين كانوا ينكرون وجود تهميش حقيقى بالرغم من تفجر الأطراف واشتعال هذا الحريق الهائل بالبلد .

    ثانيا : يجب أن نحدد ..من همش من ..ومن هم المهمشون ، وأنواع التهميش وأنماطه ..فالتهميش ذاته خشم بيوت وأنواع شتى .
    فهناك تهميش إقتصادي
    وسياسي
    واجتماعي
    وثقافي
    وديني
    ونوعي
    وحتى نفسي

    نعم التهميش موجود بصورة نسبية فى كل بقعة من بقاع السودان فى المدن والبوادى ، فى الشرق والغرب والجنوب والشمال والوسط مع اختلاف نوع التهميش .

    مثلا بعض أراضى الشمال همشت إقتصاديا ، ولكن لا يعنى انها قد همشت عرقيا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو سياسيا ( بإستثناء نوبة الشمال ). فأهلها ما زالوا يتربعون على أعلى السلم الاجتماعى فى السودان . وحتى فى مناطقهم الفقيرة تلك تجدهم يمارسون تمييزا عرقيا على بعض القوميات التى ساقها حظها العاثر للتواجد فى مناطقهم ..عبر الاسترقاق وغيره.


    كذلك فى شرق السودان المهمش تجد ان أهله مهمشون حتى داخل شرقهم المهمش ، ومعزولون فى جيتوهات عرقية وثقافية ونفسية ، ومحاصرون اقتصاديا ، ومحرومون من أبسط أبسط حقوقهم فى وطنهم وارض أسلافهم .
    فالشرق فى الواقع تسيطر عليه وعلى موارده مجموعات عرقية تنتمى الى مناطق الشمال ، مستندة فى ذلك على دعم نخب سياسية حاكمة وثقافة أحادية سائدة، وهذه حقيقة ملموسة و موجودة لا يستطيع انكارها الا من يجهل الشرق .ولم يتغير الوضع حتى بعد أن حمل أهل الشرق السلاح ، وحتى بعد الاتفاقية الأخيرة مع نظام الانقاذ غير الشرعى .

    كما ان بين اهل الشرق نفسه وسكانه الأصليين يوجد أنواع من التمييز العرقى ، مثلا القبيلة التى انتمى اليها تنكر انتماء بعض القبائل الى الاقليم وتعتبرها قبائل وافدة . وحل هذه المعضلة لن يكون بانكار هذه المشكلة أو ادعاء عدم وجودها سواء من قبلى أو من قبل من ينتمون الى قبيلتى . بل لابد من الاعتراف بان هناك قبائل همشت قبائل ومجموعات عرقية أخرى ، وان الكل قد همشوا من قبل مجموعات عرقية تنتمى الى الشمال كذلك يهمش الجميع من قبل مجموعات تنتمى الى أعراق بيضاء هاجر أسلافهم الى المنطقة منذ القدم .
    فالتمييز العرقى فى الشرق مركب ومعقد جدا .


    كذلك فى الغرب( أعنى كردفان ودارفور) ..القبائل العربية منذ هجرتها الى هذه المناطق منذ أزمان بعيدة وهى تمارس تمييزا عرقيا ضد سكان المنطقة الأصليين ،
    وبحكم انتماء والدتى الى قبيلة الرزيقات الأبالة من شمال دارفور ، فاننى قد اطلعت على الكثير من الحقائق المؤلمة وسمعت الكثير عن قصص الارقاء من أهل الجنوب والغرب الذين استرقتهم القبائل ذات الأصول العربية ، وأرفض أن يجعلنى هذا الانتماء انكر هذه الحقائق وأدعى عدم وجودها أو صحتها .

    كذلك بالنسبة الى أهل الشمال السودانى فان أهل الغرب جلهم بكردفانهم ودارفورهم ،وأفارقتهم وعربهم فى مركب واحد .
    فكما تعلمون ينظر الشمالى الى اهل الغرب أو (الغرابة) كما يحلو له أن يناديهم ، ينظر اليهم نظرة غاية فى السلبية وتحمل احتقارا هائلا ، شخصيا احترت كثيرا فى دوافعه وأسبابه.

    وزى ما بقولوا كلو عند العرب صابون ..فأهل الشمال يحتقرون أهل الغرب كلهم جملة وتفصيلا ويحملونهم كل بلاوى السودان ، فلفظة (غرابى) عندهم تدل على الوضاعة وصغر الشأن . وهذه حقيقة معروفة وملموسة حتى لو أنكرها البعض ممن أدمن الانكار ،ويرى ان الانكار سبيلا لمعالجة أزمات السودان.

    أما تهميش أهل الجنوب عرقيا وسياسيا ودينيا وثقافيا واجتماعيا ونفسيا فى وطنهم ، فهذا أمر واضح وضوح شمس الضحى ولا يحتاج الى القاء مزيد من الضوء عليه ، ومعروفة النتائج التى أدى اليها هذا التهميش .
    ولم يكسب أهل الجنوب احترام أهل الشمال الا بعد أن رفعوا السلاح عقودا طويلة ، وفرضوا احترامهم عنوة بقوة السلاح.
    ربما يقول قائل ..
    ان هذه الحقائق التى سقتها هنا معروفة للقاصى والدانى
    ولكن سبب ايجازى لها هنا ان البعض أدمن الانكار ، ويظنه حلا لمشاكل السودان المتفجرة ، رغم ان الحقيقة معروفة للجميع .

    كذلك ان البعض يتجاهل متعمدا ان اشتعال وتمرد الأطراف هو بديهة تاريخية وتحصيل حاصل ، وانه نتج عن مظالم حقيقية طال السكوت عنها .
    بل هم يريدون أن يساووا بين الجانى والضحية عبر الانكار المستمر والتشويش على الحقائق المعروفة لكل مطلع على جذور المشكلة السودانية أو معايشا لها.

    فما الحل ؟؟
    هل هو الانكار المستمر لمشاكل حقيقية فجرت الوطن ووضعته فى فوهة بركان .
    وهل الحل أن ينبرى مثقفين ينتمون عرقيا الى قبائل النخبة فى الشمال ويأتون ويفتون بان التهميش قد طال الجميع ، وانه لافضل لعربى على أعجمى ولا لأسود على أبيض ولا منطقة على منطقة فى هذا الأمر وان الكل فيه سواسية وقد نالهم منه ما نالهم ، وان المجرم الوحيد هو الفئة الحاكمة ؟!

    هذا يا أخوتى هو دفن الراس فى الرمال بعينه ، فكلنا يعرف الحقيقة ، حسب موقعه من الأزمة ، وحسب انتماؤه العرقى والقبلى ،كلنا بلا شك ندرك هذا الواقع المرير وشاركنا فيه بصورة أو بأخرى ..حتى لو تفاوتت درجات ادراكنا ومشاركتنا فى الأمر ، فاننا شعب نأخذ الانتماء العرقى بجدية كبيرة ، وننظر الى اختلاف أعراقنا وألواننا بأهمية مبالغ فيها ، نحن باختصار شعب معقد ومزدوج نفسيا .
    لذلك فان الانكار لن ياخذنا الى اى مكان ، ولن يحل أى مشكلة ، ولن يزيل غبينة أو يوقف اضطهادا أو يشفى مافى النفوس .
    بل ان الانكار ، ومحاولت تغطية الجرح وهو ما زال طريا وداميا يجعل الجرح يلتهب أكثر ويتقيح ، ثم لا يكون هناك حل سوى البتر والاستئصال .

    الأعتذار هو الحل :

    ان السودان الان على مفترق طرق ونحن كشعب أمامنا خياران لا ثالث لهما :
    اما نستمر فى مسلسل الانكار البايخ ، والاصرار على عدم تحمل المسؤولية وبالتالى لا مفر من القبول بتفكك السودان الى سودانات وذهاب كل قومية الى حال سبيلها والباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح .

    واما أن نعترف علانية كمواطنين بكل فئاتنا ان التهميش حقيقى وحصل ولسه بيحصل وان التمييز بكل أنواعه موجود ، وان هناك مجموعات عرقية يعينها عانت أكثر من غيرها وطفحت السم طوال عقود طويلة بل قرون . وبالتالى فان الظلامات التى حدثت وما زالت تحدث كل يوم بل كل ثانية يجب أن يتم ((الاعتذار )) عنها ، حتى تفتح صفحة جديدة فى كتاب الوطن ، ولازالة الغبائن والمرارات والأحقاد من النفوس .
    فالمرارات والمظالم التى تراكمت عبر عقود طويلة من الصعب اقتلاعها الا باعتذار واضح وشفاف ، اعتذار يبين اننا وصلنا الى مرحلة النضج الانسانى التى تجعلنا قادرين على مواجهة عيوبنا بكل شجاعة حيث لا يصح الا الصحيح .
    ثم يعقب الاعتذار تعهد واضح باعلاء قيمة المواطنة على ما عداها من نعرات عنصرية .
    كذلك يجب أن تزال عبارات كثيرة من قاموس العامية السودانية ، عبارات تمييزية هدفت الى التقليل من شأن ابناء الوطن واضطهادهم على أساس أعراقهم والوانهم وسحنهم التى خلقهم الخالق عليها .
    ويجب الاعتراف بان الوضع فى السودان كان شاذا من الأساس ، لذا فانه كان لابد أن يحدث كل ما حدث الان ، ولابد أن يوقف هذا الشذوذ ولا يستمر الى ما لا نهاية بمبررات واهية .
    ويجب أن ننظر الى الوضع من الخارج لندرك مدى شذوذه ، ويجب ان نحاول تقمص الآخر المختلف حتى نحس ونشعر بألامه ومعاناته .
     
    _________________
     مقال قديم من مدونتي القديمة
 16-03-2007

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012






جماهير الشعب السوداني الصبور
إيمانا منه بحق المواطنين المتساوي في الحياة والتعبير والاحتجاج يطالب حزب الخضر السوداني بالتحقيق في ملابسات غرق (حسب الرواية الرسمية التي لن تصمد أمام المنطق البسيط مهما أمعنا في حسن الظن بها )اربعة طلاب من كلية الزراعة بجامعة الجزيرة وفقدان طالبين لم يعرف مصيرهما حتى الآن ...
لايخلو غرق اربعة وطلاب وفقدان طالبين من عمل جنائي استهدف أرواح الضحايا ... القاسم المشترك بين الطلاب أن اصولهم دارفورية يزيد من ترجيح احتمال وجود دافع عنصري وراء هذا العمل الإجرامي ... مصادفة مطالبة أبناء دارفور بجامعة الجزيرة قبيل الحادثة بمطالب محددة تضيف بعدا سياسيا للعملية برمتها .تهديدات بعض المنسوبين للنظام بالجامعة للطلاب دليل دامغ على تورط النظام الحاكم بأكلمه في الجريمة البشعة لا سيما إذا تذكر الناس ملابسات قتل محمد موسى في جامعة الخرطوم وعبدالحكيم في جامعة أم درمان الإسلامية
من المبادئ التي ينادي بها الخضر مبدأ المحاسبة; الاعتذار‚ رد الاعتبار و التعويض و لذلك يجب العمل علي جلب الفاعلين للعدالة التي مرجعها الاعلان العالمي لحقوق الانسان و ليس القوانين المحلية التي صيغت لتخدم اغراض تبرير مثل هذه التصرفات كما يجب العمل وبكل القوة والفاعلية لحماية المحتجين السلميين تجاه هذا الجرم العنصري الشنيع من بطش آلة النظام العسكرية
عاش السودان حرا كريما وموحدا
عاش السودانيون أعزة
حزب الخضر السوداني – 9 ديسمبر 2012م

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012


    إعتذار : من حزب الخضر السوداني الفتي لشعب وحكومة دولة جنوب السودان الفتية

    نحن أعضاء وعضوات حزب الخضر السوداني نعتذر أصالة عن أنفسنا ، وندعو كل الشعب السوداني .. ولا سيما القوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية الحية ، التي تؤمن بما ورد في هذا الإعتذار ..
    ندعوهم جميعا إنطلاقا من مسؤوليتنا الإنسانية الأخلاقية تجاه ما إرتكبته باسمنا بعض النخب والحكومات المتسلطة في الوطن الجريح .. من ظلم وقتل وإبادة في حق إخوتنا جماهير دولة جنوب السودان منذ استقلال السودان في 1956 م ، حتى قيام دولة جنوب السودان في يوليو 2011م

    نتقدم بهذا الإعتذار المكتوب لدولة جنوب السودان حكومة وشعبا ومؤسسات ، عن كل ما جرى من مآسٍ ومذابح و إبادة عرقية إبان الحرب الأهلية ، التي هي أطول حروب القارة الأفريقية ، ومن أطول الحروب الأهلية فى العالم . والتي أريقت فيها دماء عزيزة من الطرفين ، في حروب عبثية جعلت الأخ يقتل أخاه باسم القضاء على التمرد تارة ، وتارة تحت راية الجهاد .. في وطن متعدد الأديان والثقافات .
    الإخوة والأخوات شعب جنوب السودان الشقيق ... إن حزبنا يعى دوره التاريخي فى معالجه ما خلفته حرب نصف قرن من الزمان كان نتاجها حرمان حق الحياة لأجيال من أبناء الجنوب والشمال ، فلنفتح صفحة جديدة من المحبة والاخاء وحسن الجوار لتنعم شعوبنا بالتقدم والسلام الطمأنينة..

    وسنعمل مع الآخرين والأخريات من أفراد الشعب السوداني على تحقيق التغيير الديمقراطي الحقيقي فى ما تبقى من الوطن ، وإعلاء قيمة المواطنة على ما عداها من نعرات قبلية وعنصرية ، وتمييز ديني ونوعي ..
    ومن ثم تحسين وتطبيع العلاقات مع دولة جنوب السودان الفتية الحرة .

    و( الدين لله والوطن للجميع)
    والحرية لكل شعوب السودان .


    لجنة تسيير حزب الخضر السوداني